مدونة تهتم بكل قضايا التعليم بالمغرب

اخر الأخبار

إفران الأطلس الصغير: عندما كانت الجنة "سوقاً وديراً وقلعة"

 




إفران الأطلس الصغير: عندما كانت الجنة سوقاً وديراً وقلعة


افران الاطلس الصغير عمالة كلميم بلاد الخصب والتعايش بلاد العلم والعلماء  واد الأدباء والعلماء... 

في عطلة عيد الأضحى زرت بلدتي العزيزة إلى قلبي وفي اليوم الرابع ذهبت الى تافراوت التي لاحظتها تسير في اتجاه التقدم والازدهار والتنمية الشاملة ولكن مااستوقفني مروري في طريقي بجماعة رائدة  جماعة انفك تطور ملموس في السنوات الأخيرة طروق واسعة مستوصفات عالية الجودة ثانوية دار الطالب...   وعندما سألت قالوا لي انه رئيس جماعة انفك وقلت لماذالااسأل عن افران الاطلس الصغير  اهل امجاض وفعلا سألت شيخ من اهل امجاض وقال لي:

لو سألت أي شيخ من مشايخ أمجاض عن "إفران" قديماً، سيغمض عينيه ويقول: "كانت جنة". ليست جنة الأشجار فقط، بل جنة التعايش، جنة التجارة، جنة الهيبة. كانت بالأمس كل شيء... واليوم تسألها: أين ذهب كل شيء؟


. الأمس: جنة التعايش وسوق يقصده الجميع من الرحال 


في ذاكرة إفران القديمة، صفحات من ذهب كتبها التاريخ بمداد التسامح. عاش اليهود والمسلمون في إفران جنباً إلى جنب، جيراناً وشركاء في السوق والخبز. لم تكن الديانة حاجزاً، بل كان "أولاد البلد" عنواناً واحداً. تلك "الحارة اليهودية" التي اندثرت اليوم كانت بالأمس قلباً نابضاً للصناعة والتجارة، تشهد على أن الأطلس الصغير كان درساً في التعايش قبل أن يصير شعاراً.

يقول بوزيد الغلى في رحلته إلى قرى الجنوب المغربي الاطلس الصغير

(رواية اليهودي المغربي " اشر كنافو " الذي أبهرني سرده لأحداث هجرة اليهود بإفران بعد مأساة ما سماه " محرقة إفران " التي لم أجد لها أثرا في وثائقنا الشحيحة و مصادرنا الغميسة ، إذ لم أجد سوى شذرات توثق ما حدث إثر تمرد بوحلاسة في أوائل عهد مولاي سليمان ، ذلك التمرد الذي أنهاه من سماهم " كنافو" الرجال الزرق ، ومن هنا ، ربما ، تسمية آخر يهود وادنون ")

ويقول بوزيد الغلى هن افران عندما وصلها :


مررت بتنكرت ، فجالت في خلدي أسماء أعلام؛ فقهاء و شعراء مروا من هنا ، لا نعرف عنهم إلا سيرهم التي طارت شهرتها في الآفاق . منهم محمد الطاهر الإفراني الذي قارنت سابقا بين مديحياته و نظائرها التي خلفها الشيخ محمد المامي ، علامة تيرس الشهير . 

واصلت إفران وقد خرج تلاميذ محمد المختار السوسي من المؤسسة عند تمام السادسة مساء . رأيت مشهدا لا يختلف عن انصراف تلاميذ المدن الكبرى إلى بيوتهم في نهاية حصة المساء . اقتربت من تلميذ بدا مهذبا ، سألته عن السوق القديم بإفران الأطلس الصغير . دلني بإشارة الأصبع إلى التقدم رأسا نحو وسط القرية الكبيرة التي تزدان بأشجار الزيتون . لم تكن لي غاية في السوق سوى أن أتحسس أثر شخصيات رواية " صبي من إفران" ، و أرى بأم عيني ذكاكين السوق القديم التي تضم دكان اليهودي الذي ينصرف إليه خلسة " بولحسن" ، المسلم الذي يحتسي معه الخمر في الدكان إذا جن الليل...

بدت لي الدكاكين قصيرة من طابق واحد لا تختلف في شيء عن هيئة دكاكين سوق كلميم كبرى حواضر وادنون التي يجاورها ملاح اليهود .

لم أسأل عن الملاح بإفران ، فقد رأيت في السابق تصميما في ملحق بحث جامعي يرسم موقعه ، كما لم أسأل عن " المعارة "المقدسة" التي تثوي بها جثامين من عرفتهم الذاكرة اليهودية بالنسرافيم أو شهداء المحرقة التي راودتني في حقيقتها شكوك عززتها رواية المعسول لأخبار أحداث المتمرد بوحلاسة الذي يروي محمد المختار السوسي أن مصرعه كان بقرية تيمولاي خلافا لما ضمنه الروائي كنافو روايته البديعة " صبي من إفران". و لأمر ما خطر ببالي إمكان الجمع بين الروايتين عندما وصلت " تيمولاي " التي لا تبعد عن إفران سوى ببضع كيلومترات ...

وكان لـ "سوق إفران الأسبوعي" هيبة الملوك. كل يوم سوق كان عيداً. تقصده قبائل أمجاض وتيمولاي وإداي وتغجيجت وبويزكارن... من كل فج عميق. يأتي الراعي بماعزه، والفلاح بزيت الأركان،ودجاج وبيض والتاجر بقماشه. تحولت إفران إلى أكبر سوق استهلاكية في المنطقة، حتى صارت تضرب بها الأمثال: "إلا ما لقيتيه في سوق إفران، قلب عليه فمراكش".

ولم تكن الهيبة اقتصادية فقط. كانت هناك *تكنة عسكرية كبيرة*، جعلت من إفران قلعة محصنة. وجود العسكر أعطاها أمناً وجاذبية، وجعل التجار والمسافرين يبيتون فيها وهم مطمئنون. كان الإنسان هناك يهتم بـ "الواحة" كما يهتم بابنه: يسقيها، يغرسها، ويحميها. النخيل واللوز والخضرة كانت ثروة لا تقدر بثمن.

وحتى في السياسة، كان لإفران رجالها

توالي رؤساء عندهم قيمة ووزن*، وجوه يعرفها القاصي والداني، يدافعون عن مصالح البلدة في المكاتب البعيدة. كان القرار يُتخذ هنا، والكلمة تُسمع هناك.

اليوم: وفرة بلا روح... واقتصاد بلا يد عاملة

واليوم؟ كل شيء متوفر... إلا الإنسان. 

الواحة التي كانت بالأمس رئة البلدة، "قتلها" الإهمال. النخيل يشيخ ولا من يغرس مكانه، والساقية تجف ولا من ينظفها. لم يعد هناك من يشتغل في الواحات. هاجر الشباب، وكبرت الأيدي التي كانت تعمر الأرض. ورحم الله جميع من اموات هذه الواحة... 

صار الاقتصاد معلقاً بـ "تحويلات الجالية المهاجرة" التي تضخ الملايين في بريد المغرب والبنك الشعبي ببوزكارن  وتيزنيت واكادير. ...

نعم، ازدهر البنيان وارتفع الإسمنت بفضل أبناء إفران في أوروبا، لكن الاقتصاد المحلي المنتج ضعيف. صارت البلدة تعيش على ما يرسله الغائب، لا على ما تنتجه الحاضر.

وفي الجانب السياسي، انطفأ ذلك الوهج. الاقتصاد ضعيف والسياسة أضعف. لم يعد لإفران ذلك الرئيس الذي يهابه المسؤول، ولا ذلك الصوت الذي يصل للوزارة. صارت القرارات تُتخذ عنها، لا بها.

 بين حنين الأمس ومسؤولية اليوم

إفران الأطلس الصغير ليست مجرد اسم على الطريق الرابطة بين تيزنيت وكلميم. هي ذاكرة أمة صغيرة. بالأمس كانت "جنة" لأن الإنسان كان يبني ويعمر ويتعايش. واليوم، رغم الطرق والكهرباء والإنترنت، يغيب أهم عنصر: الإنسان الذي يعمر الأرض.

السؤال الذي يطرحه كل زائر اليوم: هل نستطيع أن نعيد لإفران بعضاً من جنتها؟ هل تعود الواحة خضراء، ويعود السوق نابضاً، وتعود السياسة قوية برجالها؟ 

إفران لا تحتاج للشفقة، بل تحتاج لأبنائها. تحتاج لمن يقرأ تاريخها لا ليبكي عليه، بل ليبني عليه.

يكتبها الاستاذ الباحث والفاعل الحمعوي : الحسين البقالي بن علي


---

Aucun commentaire

'; (function() { var dsq = document.createElement('script'); dsq.type = 'text/javascript'; dsq.async = true; dsq.src = '//' + disqus_shortname + '.disqus.com/embed.js'; (document.getElementsByTagName('head')[0] || document.getElementsByTagName('body')[0]).appendChild(dsq); })();