مدونة تهتم بكل قضايا التعليم بالمغرب

اخر الأخبار

من بركة تزروالت الى انوار تيزنيت






 من بركة تزروالت إلى أنوار تيزنيت.. رحلة سنة بين موسمي "سيدي أحمد أموسى" و "سيدي عبد الرحمان" 

تقرير:   متابعة الاستاذ الباحث الحسين البقالي

=تيزنيت / تزروالت=


في جنوب المغرب، حيث تلتقي الجبال بالصحراء، لا ينتهي الموسم بانتهاء أيامه. بل ينتقل. يرحل من زاوية إلى مدينة، من جبل إلى سهل، من ذكر إلى تجارة. هكذا هي الحال بين موسمين شكّلا على مدار قرون الذاكرة الجماعية لأبناء سوس: موسم سيدي أحمد أموسى بتزروالت و موسم سيدي عبد الرحمان بتيزنيت.


مسافة لا تتجاوز 80 كلم تفصل بينهما، لكن بينهما مسار روحي وتاريخي واقتصادي يمتد لخمسة قرون.


الفصل الأول: تزروالت.. حيث يبدأ النور  

على ارتفاع شاهق بجماعة تزروالت، إقليم سيدي إفني، تستقر *الزاوية السملالية* التي أسسها القطب الصوفي سيدي أحمد أموسى سنة 1537م. 


هنا لا تسمع إلا صدى المدائح وترانيم القرآن. الموسم الذي يمتد لعدة أيام في فصل الصيف يتحول إلى أكبر تجمع روحي في المنطقة. 

الخيام البيضاء تملأ السفح، والزوار يأتون أفواجاً من تيزنيت، أكادير، كلميم، طانطان، الدار البيضاء طنجةوحتى من الجالية المغربية بأوروبا. ومن كل فج عميق


ماذا يحدث في تزروالت؟

الذكر والمديح: حلقات مستمرة ليل نهار بإشراف مقدمي الزاوية.

2.  الإطعام الجماعي: "التويزة" حيث تذبح مئات رؤوس الغنم وتوزع على الفقراء والزوار بالمجان. 

3.  البيعة وتجديد العهد: مريدون يجددون البيعة للطريقة الأموسية التي تفرعت عنها زوايا كثيرة في المغرب وإفريقيا.

4.  سوق البركة: منتوجات محلية من زيت الأركان، العسل، الأعشاب.


يقول أحد شيوخ الزاوية: "تزروالت هي الأم. منها خرج العلم، ومنها خرجت البركة. من زارها كمن زار منبع النهر".


الفصل الثاني: تيزنيت.. حيث يكتمل المشهد  

بعد أسابيع قليلة، تشد القوافل الرحال نحو الشمال. الوجهة هذه المرة هي ضريح سيدي عبد الرحمان بقلب المدينة العتيقة لتيزنيت.


هنا يتغير الإيقاع. إن كان موسم تزروالت روحانياً خالصاً، فموسم عبد الرحمان هو مزيج بين الروحي والدنيوي. 

ساحة المشور والأسواق المجاورة للضريح تتحول إلى كرنفال كبير.


ملامح موسم عبد الرحمان:

1.  الجانب الديني: قراءة القرآن، زيارة الضريح، تقديم النذور والصدقات.

2.  الجانب التجاري: "سوق الموسم" أكبر سوق مؤقت في الإقليم. تجار المواشي، الحرفيين، بائعي الأواني الفضية التي تشتهر بها تيزنيت.

3.  الجانب الثقافي: عروض "أحواش"، "الركادة"، "أحيدوس"، وسباقات الفروسية "التبوريدة".

4.  الصلح وصلة الرحم: فرصة تلتقي فيها القبائل بعد عام كامل، وتحل فيها النزاعات بالصلح.


الخيط الرابط: لماذا يربط الناس بين الموسمين؟

العجائز في تيزنيت يقولون: "اللي ما زار أموسى ما كمل زيارة عبد الرحمان". والسبب:


1.  امتداد تاريخي: سيدي أحمد أموسى يعتبر من أقطاب التصوف الذين أثروا في المنطقة كلها. وزاوية تيزنيت وتلامذتها استفادوا من هذا الإشعاع.

2.  دورة اقتصادية متكاملة: الفلاح يبيع ماشيته في تزروالت، ويشتري لوازم بيته من سوق تيزنيت. التاجر يبدأ جولته من الجبل وينهيها في المدينة.

3.  هوية واحدة: الموسمان يعبران عن نفس القيم: الكرم، الإيثار، التضامن، والحفاظ على الموروث. الأكل الجماعي، احترام الضيف، إكرام الفقير.


تحديات ورهانات 

اليوم يواجه الموسمان تحديات العصر: ضعف البنية التحتية، غياب تأطير ثقافي، والمنافسة والجانب التنظيمي الذي مازال بحاجة إلى بدل المجهودات مع أشكال ترفيه أخرى. 


لكن في المقابل هناك رهان كبير: تحويلهما إلى منتوج للسياحة الدينية والثقافية 

المجالس المنتخبة ووزارة السياحة بدأت تفكر في "مسار الزوايا بسوس" يربط تزروالت، تيزنيت، إيليغ، وتمكروت.


يقول باحث في التراث السوسي: "هذان الموسمان ليسا طقوساً فقط. هما بنك للذاكرة. إذا ضاعا ضاع جزء كبير من هويتنا".


خاتمة: موسم يودع وموسم يستقبل 

من دعاء الفجر في جبال تزروالت، إلى أهازيج الليل في ساحات تيزنيت... تستمر الحكاية. 

موسم ينتهي بدمعة وداع، وآخر يبدأ بزغاريد الاستقبال. 


وبينهما يبقى الإنسان السوسي متمسكاً بأرضه، بوليّه، وببركة أجداده. لأن في هذه المواسم لا يحتفل الناس بولي فقط،ببركة هذه الأولياء... 


Aucun commentaire

'; (function() { var dsq = document.createElement('script'); dsq.type = 'text/javascript'; dsq.async = true; dsq.src = '//' + disqus_shortname + '.disqus.com/embed.js'; (document.getElementsByTagName('head')[0] || document.getElementsByTagName('body')[0]).appendChild(dsq); })();